العيني
166
عمدة القاري
( ولم تحل ) ، فإن قلت : لم تقلب المضارع ماضيا ولفظ بعدي للاستقبال ، فكيف يجتمعان ؟ قلت : معناه لم يحكم الله في الماضي بالحل في المستقبل . قوله : ( ساعتي هذه ) أي : في ساعتي التي أتكلم فيها ، وهي بعد الفتح . قال الطحاوي : الذي أحل له ، عليه الصلاة والسلام ، وخص به دخول مكة بغير إحرام ولا يجوز لأحد أن يدخله بعد النبي صلى الله عليه وسلم بغير إحرام ، وهو قول ابن عباس والقاسم والحسن البصري ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه ، ولمالك والشافعي قولان فيمن لم يرد الحج أو العمرة . ففي قول : يجوز ، وفي قول : لا يجوز إلاَّ للحطابين وشبههم . وقال الطبري : الذي أحل للنبي ، عليه الصلاة والسلام ، قتال أهلها ومحاربتهم ، ولا يحل لأحد بعده . قوله : ( شوكها ) دال على منع قطع سائر الأشجار بالطريق الأولى ، وقال في ( شرح السنة ) : المؤذي من الشوك كالعوسج لا بأس بقطعه كالحيوان المؤذي ، فيكون من باب تخصيص الحديث بالقياس . وكذا لا بأس بقطع اليابس كما في الصيد الميت ، وأما لقطتها فقيل : ليس لواجدها غير التعريف أبدا ، ولا يملكها بحال ، ولا يتصدق بها إلى أن يظفر بصاحبها ، بخلاف لقطة سائر البقاع ، وهو أظهر قولي الشافعي . ومذهب مالك والأكثرين إلى أنه : لا فرق بين لقطة الحل والحرم . وقالوا : معنى إلاَّ لمنشد : أنه يعرفها كما يعرفها في سائر البقاع حولاً كاملاً حتى لا يتوهم أنه إذا نادى عليها وقت الموسم فلم يظهر مالكها جاز تملكها . وقال عبد الرحن بن مهدي : قوله : ( إلاَّ لمنشد ) يريد : لا تحل البتة ، فكأنه قيل : إلاَّ لمنشد ، أي : لا يحل له منها إلاَّ إنشادها ، فيكون ذلك مما اختصت به مكة كما اختصت بأنها حرام ، وأنه لا ينفر صيدها وغيرهما من الأحكام . وقال المازري : معناه المبالغة في التعريف ، لأن الحاج قد لا يعود إلاَّ بعد أعوام فتدعو الضرورة لإطالة التعريف بخلاف غيرها من البلاد ، ولأن الناس ينتابون إلى مكة . ويقال : جاء الحديث ليقطع وهم من يظن أنه يستغنى عن التعريف هنا إذ الغالب أن الحجيج إذا تفرقوا مشرقين ومغربين ومدت المطايا أعناقها ، يقول القائل : لا حاجة إلى التعريف ، فذكر ، عليه الصلاة والسلام ، أن التعريف فيها ثابت كغيرها من البلاد ، ومنهم من قال : التقدير إلاَّ من سمع ناشدا يقول : من أضل كذا ، فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها ليردها على صاحبها ، وهذا مروي عن إسحاق بن راهويه والنضر بن شميل . وقيل : لا تحل إلاَّ لربها الذي يطلبها . قال أبو عبيد : هو جيد في المعنى ، لكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب منشد . قلت : قال بعضهم : الناشد المعرف ، والمنشد الطالب فيصح هذا التأويل على هذا التقرير . قال القاضي عياض في ( المشارق ) : ذكر الحريري اختلاف أهل اللغة في الناشد والمنشد ، وأن بعضهم عكس فقال : الناشد المعرف والمنشد الطالب ، واختلافهم في تفسير الحديث بالوجهين . قوله : ( فهو بخير النظرين ) لفظة خير ، ههنا بمعنى أفعل التفضيل ، والمعنى : أفضل النظرين ، وتفسير : النظرين ، بقوله : إما أن يعقل من العقل وهو الدية . وإما أن يقاد أهل القتيل ، بالقاف أي : يقتص . ووقع في رواية لمسلم : ( إما أن يفادى ) بالفاء من المفاداة . وفي ( سنن أبي داود ) : ( إما أن يأخذوا العقل أو يقتلوا ) ، وهو أبين الروايات ، وهي تفسر بعضها بعضا . وقوله في مسلم : ( وإما أن يقتل ) . وقول أبي داود : ( أو يقتلوا ) مفسران لسائر الروايات . وقال عياض : وقع هنا في العلم في جميع النسخ ، وإما أن يقاد بالقاف ، ويوافقه ما جاء في كتاب الديات إما أن يؤدى وإما أن يقاد ، وكذلك في مسلم . وحكى بعضهم : يعني في مسلم يفادى بالفاء موضع ، يقاد قال : والصواب الأول وهو القاف لأن على الفاء يختل اللفظ ، لأن العقل هو الفداء فيتحصل التكرار . قال : والصواب أن القاف مع قوله : العقل ، والفاء مع قوله : يقتل ، لأن العقل هو الفداء . وأما يعقل مع يفدى أو يفادى فلا وجه له . قلت : حاصل الكلام أن الرواية على وجهين . من قال : وإما أن يقاد بالقاف من القود وهو القصاص . قال فيما قبله : إما أن يعقل ، بالعين والقاف : من العقل وهو الدية ، ومن قال : وإما أن يفادى . بالفاء من : المفاداة . قال فيما قبله : إما أن يقتل ، بالقاف والتاء المثناة من فوق ، وهو القتل الذي هو القود . قوله : ( فجاء رجل من أهل اليمن ) وهو أبو شاه ، وجاء به مبينا في اللقطة ، وهو بشين معجمة وهاء بعد الألف في الوقف والدرج ، ولا يقال بالتاء . قالوا : ولا يعرف اسم أبي شاه هذا ، وإنما يعرف بكنيته وهو كلبي يمني . وفي ( المطالع ) وأبو شاه مصروفا ضبطته وقرأته أنا معرفة ونكرة ، وعن ابن دحية أنه بالتاء منصوبا . وقال النووي : هو بهاء في آخره درجا ووقفا . قال : وهذا لا خلاف فيه ، ولا يغتر بكثرة من يصحفه ممن لا يأخذ العلم على وجهه ومن مظانه .